فصل: المنظمات اليهودية ودورها في إيذاء عيسى عليه السلام

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: المنظمات اليهودية ودورها في إيذاء عيسى عليه السلام **


‏{‏يسئلك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم ثم اتخذوا العجل من بعد ما جاءتهم البينات فعفونا عن ذلك وآتينا موسى سلطانا مبينا ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم وقلنا لهم ادخلوا الباب سجدا وقلنا لهم لا تعدوا فى السبت وأخذنا منهم ميثاقا غليظا ‏.‏ فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا ‏.‏وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما‏.‏ وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينا ‏.‏ بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا حكيما ‏.‏ وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا ‏.‏ فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا ‏.‏ وأخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل وأعتدنا للكافرين منهم عذابا أليما‏}‏‏[‏سورة النساء‏:‏ 153- 161‏]‏‏.‏

 إهــداء

إلى كل باحث عن الحقيقة

إلى كل من يبحث عن الخلاص

إلىكل من يتساءل عن ألغاز العالم فلا يجد لها جوابا‏!‏

فلعله يجد لها في هذا البحث جوابا ، وإن كان الجواب ليس مفرحا ،

ولكن ‏.‏‏.‏‏.‏قـل الحـق وإن كـان مـرا ‏.‏

عمر بن عبد العزيز

بسم الله الرحمن الرحيم

 مقدمة

الحمد لله رب العالمين ، والعاقبة للمتقين ، ولا عدوان إلا علي الظالمين‏.‏ وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، ‏{‏شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم‏.‏ إن الدين عند الله الإسلام‏}‏‏[‏سورة آل عمران‏:‏ 18-19‏]‏ لم يرتض دينا غيره ، ولن يقبل دينا سواه ، ولا يفلح إلا أهله، فهو القائل سبحانه‏:‏ ‏{‏ ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين ‏}‏ ‏[‏ سورة آل عمران‏:‏ 85‏]‏ وأشهد أن سيدنا محمدا عبد الله ورسوله خاتم النبيين وإمام المرسلين ، القائل‏:‏ ‏"‏ من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله ، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه ، والجنة حق ، والنار حق ، أدخله الله الجنة علي ما كان من العمل‏"‏‏[‏ أخرجه البخاري‏]‏ اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلي آله وصحبه الطيبين الطاهرين ، ومن تبعهم بإحسان إلىيوم الدين‏(‏أما بعد‏)‏

فإن من سنة الله تعالى في خلقه أن يتصارع الحق والباطل أبدا ما بقي ، فقد قام أهل الباطل بجولات وجولات يبغون من وراءها إطفاء نور الله ، ‏{‏يريدون أن يطفؤا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون‏}‏‏[‏ سورة التوبة‏:‏ 32‏]‏ وكان من بين أولئك المبطلين ، أمتا الضلال والبغي ‏(‏اليهود والنصارى‏)‏ اللذان أنكرا رسالة الإسلام ونبوة خير الأنام محمد صلى الله عليه وسلم ، وزاد اليهود إنكار عيسى عليه السلام ورسالته ، ولم يكتفوا بهذا حتى اتهموه وأمه-عياذا بك اللهم ‏.‏

وقد تناول القرآن الكريم باستفاضة واسهاب نفسية أهل الكتاب وقبيح صفاتهم ، وتآمرهم ضد الحق، وإن كان لليهود الجانب الأوفى في هذا ، ولذلك ارتبط تاريخهم بالمنظمات والدسائس والكيد والحقد والسرية والتخطيط والخيانة والتحريف والتخريف والتزييف‏.‏

والمسلم لابد له من معرفة العدومن الصديق ، وإدراك الحق من الباطل ، وتوقى كيد الكافرين، واستبانة سبيل المجرمين ، وقد قال رب العالمين ‏{‏وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين‏}‏‏[‏ سورة الأنعام‏:‏55 ‏]‏ ولقد شهد التاريخ عداء وصراعا بين اليهود والنصارى منذ ان أرسل الله عيسى - عليه السلام_ وآمنت به طائفة، وإلىهذا العصر ، وصدق الله العظيم إذ يقول ‏:‏ ‏{‏وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلي يوم القيامة‏}‏‏[‏ سورة المائدة‏:‏ 64‏]‏ ولقد تأثر المسلمون قديما وحديثا بنار العداوة والكيد والدسائس التي قام بها أهل الكتاب - اليهود والنصارى- منفردين ومجتمعين‏.‏

ولقد شهد العصر الحديث - خاصة القرن العشرين - أمرا خطيرا تمثل في التحالف بين اليهود والنصارى بعد طول عداء بينهما، وقد حذر الله عز وجل المؤمنين من هذا الولاء ، وقرر أن تحالفا وتلاقيا سيكون بين الفريقين ، فقال تعالى ‏{‏ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين‏}‏‏[‏ سورة المائدة‏:‏ 51‏]‏

وليس هذا تناقضا في كتاب الله تعالى - كما هو الظاهر- ومعاذ الله أن يتناقض كتابه ، فآية المائدة هذه تتحدث عن فترة آتية بعد نزول الآيات، فهي لاتصف واقعا في حين نزولها ، وإنما تحمل إشارة مستقبلية للعلاقة بين اليهود والنصارى ببعض، وعلاقات المسلمين بهما ، وقد توافق التاريخ مع كتاب الله تعالى ‏.‏

وسنجد في طيات هذا البحث صورة واضحة وتفسيرا حيا للآيتين من خلال الوقائع والأحداث التي ارتبطت بهذا البحث ‏:‏‏"‏ المنظمات اليهودية ودورها في إيذاء عيسى عليه السلام‏.‏

 أسباب اختيار هذا البحث ‏:‏

لا أزعم أنني اخترت هذا البحث - شأن طالب الماجستير والدكتوراه -وإنما طلبت اللجنة العلمية العليا ، مني هذا البحث ، كبحث منهجي لتوفية الأبحاث المقدمة لنيل درجة الأستاذية- بإذن الله تعالى- وهو- وإن لم اختره - لكنه صادف هوى في قلبي ووقع مني موقع القبول والرضا- فهو بحث ثري بمادته ومراجعه، ويخدم الدعوة ، ويتناسب مع الواقع، ولا ينأى بي بعيدا عن الأحداث ، وفيه تعريف بأساليب العدو ، وواقع اليهود والنصارى، سلباوإيجابا ، وبيان معرفة العدو من الصديق وهذا البحث صيحة نذير ، ولغة تحذير لأمة الإسلام - علي وجه الخصوص- وللعالم كله - على وجه العموم- من الخطر الذي يحدق بهم من كل جانب من شر خلق الله على الإطلاق ، وأشد الناس عداوة للذين آمنوا ‏"‏اليهود‏"‏ ‏.‏ إنه دعوة للنهوض في وجه العدو ، والوقوف أمام مخططاته، والحد من مؤامراته ، ومنع مواصلة مسيرته‏.‏

 المصاعب التي واجهتني أثناء البحث ‏:‏

أولا‏:‏ إن الموضوع غنى بمادته ومراجعه العديدة المتنوعة ، القديمة والحديثة ، والإسلامية وغير الإسلامية ،والعربية وغير العربية، فهو موضوع يحتاج أن يكون رسالة ‏"‏دكتوراه‏"‏لا تقل صفحاتها بحال عن خمسمائة صفحة حتى يوفى الموضوع حقه مع الاختصار،

ولما كان هذا البحث بحثا منهجيا للترقية لدرجة الأستاذية ، والمطلوب فيه ألا يزيد في عدد صفحاته عن المائةكثيرا، فاضطررت للاختصار الشديد الذي قد يصل إلى حد الإخلال أحيانا‏.‏

ثانيا‏:‏ لقد توافق كتابة هذا البحث ، وأنا معار إلى دولة‏"‏ بنجلاديش‏"‏ وهى دولةغير عربية،وإن كانت إسلامية، فمكتباتها فقيرة جدا من حيث المراجع العربية، ولم يسعفني في كتابة هذا البحث إلا ما استطعت حمله في حقيبتي من مراجع من مكتبتي الخاصة أثناء سفري، وما قام أخي وحبيبي الدكتور ‏"‏عبد الله سمك‏"‏ ، بتصويره لي، وقد سعدت بحصوله على درجة الأستاذية، لأنه أحق بها وأهلها، وهذا شكر واجب وتهنئة لازمة‏.‏

والمشكلة في هذا إذا قلة المراجع الأصلية التي رجعت إليها ، ولذلك أكثرت النقول عنها من غيرها مشيرا بقولي‏:‏ نقلا عن‏.‏‏.‏‏.‏

 منهجي في هذا البحث‏:‏

1‏.‏ بعد قراءة موسعة في هذه القضية، استخلصت منها ما يؤيد موضوع البحث، وقمت بكتابته مع الاختصار‏.‏

2‏.‏ ألفت بين ما جمعت من معلومات وأحداث ووثائق تاريخية بأسلوب علمي منسق‏.‏ بحيث تسلم كل نقطة في البحث إلى التي تليها لتكتمل القضية تأصيلا وتفسيرا وتحليلا‏.‏

3‏.‏ ألتزمت الحيدة والموضوعية في طرح القضايا وعرضها ، فلم أذكر شيئا إلا وعضدته بالأدلة والشواهد والتصريحات التي ترقى إلى الاستدلال بها، غالبا، وذلك مراعاة للاختصار‏.‏

4‏.‏ ألتزمت الأمانة العلمية في البحث كله ، فنسبت كل قول إلى قائله، ومصدره ، ذاكرا في الهامش اسم الكتاب، ومؤلفه، والمترجم والمحقق إن وجد، ورقم الجزء ثم رقم الصفحة،ثم دار النشر ورقم الطبعة، وتاريخها إن وجد ذلك‏.‏وإن كان النقل فيه تصرف أشرت إلى ذلك،وإن كانت الفكرة دون النص قلت‏:‏ راجع بتوسع، وإن كان هناك اختصار قلت باختصار ، وهكذا‏.‏

5‏.‏ ذكرت بيانات المصدر كاملة في أول مرة واكتفيت بعد ذلك بذكر اسم المصدر ورقم الجزء والصفحة ، تلاشيا للتكرار والاعادة‏.‏

6‏.‏ دللت على القضايا من الكتاب والسنة متى وجد هناك دليل ، وذكرت عند الاستدلال من القرآن الكريم اسم السورة ، ورقم الآية ، وعند الاستدلال بالأحاديث النبوية الشريفة اسم المصدر ومؤلفـه،

ودرجة الحديث، وكذا الاستدلال بالكتاب المقدس ، وبيان الاصحاح ورقم الفقرة‏.‏

 خطة البحث‏:‏

مقدمة، وتمهيد وبابان ، في كل باب فصلان ، وفي كل فصل ثلاثة مباحث

1- أما المقدمة ‏:‏ فقد تضمنت أهمية الموضوع ، ودواعي اختياره ، ومنهج البحث فيه ، ثم خطته‏.‏

2- التمهيد‏:‏ وقد اشتمل على مبحثين‏:‏

المبحث الأول‏:‏التعريف بألفاظ الموضوع

المبحث الثاني‏:‏ بيان تاريخ المنظمات اليهودية

*الباب الأول‏:‏ المنظمات اليهودية بصفة عامة،وفيه فصلان‏:‏

الفصل الأول‏:‏‏"‏المصادر المقدسة لدى اليهود‏"‏ وفيه مدخل وثلاثة مباحث هى‏:‏

المدخل‏:‏ مصادر المنظمات اليهودية

المبحث الأول‏:‏ التوراة

المبحث الثاني‏:‏التلمود

المبحث الثالث‏:‏بروتوكولات حكماء صهيون

الفصل الثاني‏:‏أساليب التنظيمات اليهودية وفيه مدخل وثلاثة مباحث هى‏:‏

مدخل‏:‏ حول ‏"‏الجمعيات السرية‏"‏

المبحث الأول‏:‏ الماسونية

المبحث الثاني‏:‏ الصهيونية

المبحث الثالث‏:‏منظمات يهودية عبر التاريخ ‏"‏ إشارات وكلمات‏"‏

*الباب الثاني‏:‏ دور اليهود في إيذاء عيسى عليه السلام، وفيه مدخل وفصلان‏:‏

مدخل‏:‏ حول السيد المسيح عليه السلام ودعوته في القرآن الكريم

الفصل الأول‏:‏ إيذاء اليهود لعيسى عليه السلام وأمه، وفيه ثلاثة مباحث هى‏:‏

المبحث الأول‏:‏اتهام عيسى بأنه ابن زنا

المبحث الثاني‏:‏اتهامه بالشغب والتجديف

المبحث الثالث‏:‏الزعم بأنهم قتلوه وصلبوه ، أومحاولة قتله وصلبه

الفصل الثاني‏:‏إيذاء اليهود للمسيحية، وفيه ثلاثة مباحث هى‏:‏

المبحث الأول‏:‏جذور العداء اليهودي للمسيحية

المبحث الثاني‏:‏ دور بولس في تغيير المسيحية

المبحث الثالث‏:‏ إيذاء اليهود للمسيحيين

الخاتمة وقد اشتملت على أهم النتائج

 تمـهيـد

 المبحث الأول ‏:‏ معنى أهم كلمات عنوان البحث

* المنظمات‏:‏ لغة‏:‏ جمع منظمة، وهي مأخوذة من نظم، والنظم‏:‏التأليف، وضم شىء إلى شىء آخر، والمنظوم - نظم اللؤلؤ ينظمه نظما‏:‏ ألفه وجمعه في سلك ، وانتظمه بالرمح ‏:‏ اختله، والنظام ‏:‏ كل خيط ينظم به لؤلؤ ونحوه، وجمعه نظم ، والنظام ملاك الأمر، جمعه أنظمة‏.‏ ‏[‏ مختار القاموس للأستاذ الطاهر أحمد الزاوي، صـ 610، ط عيسي البابي الحلبي ، ط1 سنة 1373هـ 1964م‏]‏‏.‏ ويراد بها اصطلاحا‏:‏ اجتماع مجموعة من الناس علي أهداف معينة بخطط معدة ومنتظمة‏.‏

* اليهودية ‏:‏ لغة من الهود وهو الميل والرجوع ، وقيل مشتق من هاد يهود، والتهود‏:‏ التوبة والعمل الصالح ، والرجوع إلى الحق، وهود بمعنى اليهود، وهو اسم نبي ، ويهود يجمع على يهدان ، والمهاودة ‏:‏ الموادعة والمصالحة، وتهود‏:‏ صار يهوديا، وهاد الرجل‏:‏ أي تاب ورجع ، ولزمهم هذا الاسم لقول نبيهم موسى عليه السلام ‏"‏ إنا هدنا إليك‏"‏‏[‏ سورة الأعراف‏:‏ 156‏]‏ أي رجعنا وتضرعنا‏.‏ وهوده‏:‏ حوله إلى ملة يهود‏.‏ ويهود اسم للقبيلة ، وقيل ‏:‏ إنما اسم هذه القبيلة يهوذ، فعرب بقلب الذال دالا، ‏"‏وعلى الذين هادوا‏"‏ ‏[‏ سورة الأنعام‏:‏ 126‏]‏ أي دخلوا في اليهودية‏.‏ ‏[‏ لسان العرب لابن منظور، ج6،صـ 4718، بتصرف، ط‏:‏دار المعارف، ومختار القاموس ، صـ 641 بتصرف‏]‏‏.‏

* ودورها‏:‏ أي ما قامت به من أعمال وتخطيطات وتنظيمات

* في إيذاء‏:‏ من الأذى، وهو الشىء المكروه، وما يقع به الضرر المادي أو المعنوي‏.‏

* عيسى عليه السلام‏:‏ الذى هو رسول الله، وكلمته التي ألقاها إلى مريم وروح منه ، وهو المسيح، سمي بذلك لصدقه ، أو لأنه مسح بالبركة ، أو لأنه كان يمسح بيده على العليل والأكمه والأبرص فيبرئه بإذن الله ، أو لأنه خرج من بطن أمه ممسوحا بالدهن، أو لأنه كان سائحا في الأرض‏.‏

 نظرة عامة حول اليهودية واليهود

إن الرسالات من منبع واحد هو الله تعالى، والإسلام خاتمتها، ولذلك كان أشمل وأكمل، فمن طبيعة اللاحق أن يستفيد بالسابق، وأن يضيف جديدا إليه ، ومع أن الرسالات من الله فإنه تعالى أعطىالدواء بقدر طاقة المريض، فكان يعطى البشرية من الهدى والتوحيد بقدر ما تحتمله البشرية،وما يناسب عودها الذي بدأ ضعيفا ثم اشتد رويدا رويدا ،حتى اكتمل نموها بالرسالة الخاتمة‏.‏

هذا وتاريخ اليهودية له أثركبير في عقيدتهم، بخلاف غيرهم ، فالتاريخ الإسلامي مثلا ليس ذا أثر في العقيدة الإسلامية‏.‏

ولقد حدثنا القرآن الكريم عن أثر أنبياء بني إسرائيل وصورهم في صورة كريمة، وقد انطبق عليهم القانون الإلهي في اختيار الرسل ‏{‏الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس‏}‏‏[‏ سورة الحج ‏:‏ 75‏]‏ فأنبياء بني إسرائيل ككل الأنبياء ، صفوة أخيار، وعلى عكس هذا نجد حديث التوراة المحرفة عن هؤلاء ، فإن الذين كتبوا التوراة لم يراعوا عند الحديث عن أنبيائهم، إلاّ ولا ذمة، و لم يبدر في حديثهم أي تقديس لهم أوإجلال، فنسبوا إليهم ما يدنس تاريخهم وما ينبو عن الذوق‏.‏

وأما عقيدة بني إسرائيل كما صورها القرآن الكريم فإنه صورها سليمة صادقة صافية، لا تختلف عن عقيدة المسلمين كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏ إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط‏}‏ ‏[‏ سورة النساء‏:‏173‏]‏

فالعقيدة الأصلية لبني إسرائيل كانت متمثلة في الإيمان بالله الواحد الأحد، الفرد الصمد، إله الناس جميعا، والإيمان بالملائكة والرسل والكتب واليوم الآخر وما يتصل بذلك من الحساب والثواب أوالعقاب ولكن تغيرت معالم العقيدة هذه مع تحريف التوراة ، واختراع التلمود، وتقرير البروتوكولات‏.‏فاليهود سرعان ما ثاروا في وجه أنبيائهم ، ورفضوا الاستجابة لهم ، وطرحوا العقيدة التي جاء بها هؤلاء الأنبياء ، ثم هاجموهم، وقتلوهم أحيانا، واستبد بهم الضلال والجحود، فعبدوا غير الله، وأنكروا البعث، ونسبوا لأنبيائهم ما لا يمكن أن يصدر من أنبياء أبدا‏.‏

ولذلك ضربت عليهم الذلة والمسكنة وباؤا بغضب من الله كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏ ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة‏}‏ ‏[‏سورة البقرة‏:‏74‏]‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏ أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون‏}‏‏[‏ سورةالبقرة‏:‏ 85‏]‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين ولو أنهم قالوا سمعنا واطعنا واسمع وانظرنا لكان خيرا لهم وأقوم ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا‏}‏‏[‏ سورة النساء‏:‏ 46‏]‏‏.‏

ومن الناحية الواقعية التاريخية يتضح أن بني إسرائيل أهملوا المصدر الحقيقي للعقيدة وهو السماء، وانساقوا خلف مصادر أخرى، فقد مرت ببني إسرائيل أحداث خطيرة، منذ عاشوا في مصر، ووقعوا بين شقي الرحى في فلسطين، ونفوا إلى بابل، وفي فترة الصراع والتشرد كتبوا العهد القديم ووضعوا التلمود، وبرتوكولات حكماء صهيون-كما سنرى بعد-وأصبحت هي المصادر الواقعية للعقيدة اليهودية‏.‏ ‏[‏ راجع بتوسع‏:‏اليهودية ،د/ أحمد شلبي، صـ 140-155،ط/ مكتبة النهضة المصرية، ‏(‏الخامسة‏)‏ سنة 1978م‏]‏‏.‏

واليهود أمة منعزلة عن سائر الأمم، تكره الاختلاط بغيرها، فهم عاشروا المصريين، ومع ذلك لم يأتلفوا معهم ، حتى جاءهم ‏"‏موسى‏"‏ عليه السلام، وأخرجهم من مصر، برغم أنهم سادوا أيام ‏"‏يوسف‏"‏ - عليه السلام- وكان يمكنهم أن يمتزجوا مع أبناء الشعب بصورة كاملة، وعلى مر العصور لازمتهم جبلتهم، فلقد عاشوا في بلدان عديدة مددا طويلة، ومع ذلك خرجوا منها مطرودين أو محاطين بالكراهية والمقت‏.‏

وقد عرف اليهودي المعاصر بأوصافه الخاصة القائمة على حب الذات، والتعصب، ومحاولة فرض السياسة على العالم كله بمنهج مرحلي معتمدا في مسلكه على تعاليم اليهود الأوائل الذين تركوا له كتبا تحدد له المنهج الواجب الاتباع‏.‏

فاليهودية بقايا متحجرة، أي أنها مجتمعات استثنائية منعزلة قد بقيت من عصر سابق كما أن المتحجرات سجل باق لأشكال الحياة التي وجدت في الأعصر الخالية‏.‏ ‏[‏ دراسات في الأديان ‏"‏اليهودية ‏"‏ د‏.‏أحمد غلوش ، صـ 15، بتصرف‏]‏‏.‏

يقول الأستاذ ‏"‏عباس العقاد‏"‏‏:‏ ‏"‏إن أصبعا من الأصابع اليهودية كامنة وراء كل دعوة تستخف بالقيم الأخلاقية ، وترمي إلى هدم القواعد التي يقوم عليها المجتمع الإنساني في جميع الأزمان، فاليهودي‏"‏كارل ماركس‏"‏ وراء الشيوعية التي تهدم الأخلاق والأديان، واليهودي ‏"‏دور كايم‏"‏ وراء علم الاجتماع الذي يلحق نظام الأسرة بالأوضاع المصطنعة ، ويحاول أن يبطل آثارها في تطور الفضائل والآداب و اليهودي‏"‏جان بول سارتر‏"‏ وراء الوجودية التي نشأت معززة لكرامة الفرد‏.‏ مجنحا بها إلى حيوانية تصيب الفرد والجماعة‏.‏ ‏[‏ الصهيونية العالمية للأستاذ عباس العقاد ، جـ 14، صـ 141، بتصرف من المجموعة الكاملة لمؤلفات الأستاذ العقاد، ط/ دار الكتاب اللبناني، بيروت-لبنان، بدون تاريخ‏]‏‏.‏

لقد عرف التاريخ في بني إسرائيل شر الجماعات التي تصلح أن تكون موضعا لدراسة الآفات الإنسانيةلمن شاء أن يدرس ويفكر ويعتبر، ولقد حاول بنو إسرائيل ألا تكون طباعهم السيئةمقصورة عليهم ، بل شاءت لهم أهواؤهم وسولت لهم أنفسهم وشياطينهم أن يطرحوا الآخرين معهم في حمأة الأخلاق الفاسدة والمنكرات والرذائل فنظموا لذلك المنظمات ، وأسسوا المؤسسات ، وهذا يجعلنا نؤكد أنهم جناة على الأخلاق، إذ كل رذيلة من رذائلهم المنطوية عليها صدورهم والجاري تعاملهم بها، قد استطاعوا بمهارتهم وكيدهم أن يجروا الناس إليها، ويطبعوهم عليها زرافات ووحدانا، حتى صار المجتمع العالمي كله اليوم - إلا قليلا ممن عصم الله ورحم-مجتمعا يهودي الصفات والأحوال، وإن لم يكن مجتمعا يهودي الجنس والنسب‏.‏‏.‏‏.‏ ‏[‏ جنايات بني إسرائيل على الدين والمجتمع، للأستاذ محمد ندا، صـ 209، بتصرف، ط/ دار اللواء، أولى ، عام 1984م ، بالسعودية / الرياض‏]‏‏.‏

واليهود لا يؤمنون إلا بالمادة ولا قيمة للمعنويات عندهم، ولا وزن للأخلاق ولا نصيب للروح، ولا مكان للمبادئ، ولا محل للصدق والوفاء، ولا وجود للأمانة والحياء، فهذه أمور لا يعرفها اليهود، ولا تعرفها منظماتهم المنتشرة في العالم، وكذا سائر الصفات التي هي فوق كل الغرائز‏.‏

وهذا الإيمان بالماديات وحدها يقضي على مقومات الأخلاق الإنسانية والاجتماعية، بل على حقيقة الإيمان الديني، لأن جزءا كبيرا من الدين قائم على ما وراء المادة والغيبيات، ومنه ‏"‏اليوم الآخر‏"‏ ولذا نرى اليهود لغلبة المادة وسيطرتها عليهم لا يؤمنون باليوم الآخر وما فيه، وليس أدل على ذلك من أن كتبة التوراة أخلوها من ذكر هذا اليوم، فلم تذكر التوراة شيئا عن الآخرة، ولا عن الملائكة ولم تذكر جنة ولا نارا، وكل ما تعد به المحسنين مادي دنيوي فحسب‏.‏ ‏[‏ جنايات بني إسرائيل على الدين والمجتمع، صـ 211-212، بتصرف‏]‏‏.‏ وذكر الآخرة لم يرد في نص واحد أو صريح، وكل ما ورد فيها من إشارات مثل كلمة ‏(‏ آخرتهم آخرتها‏)‏ فإنه يحتمل أن تؤول إلى نهاية الأمر‏.‏

‏"‏ولما كانت الحياة الدنيا هي غاية همهم، ومبلغ علمهم ، والمادية هي مبتغاهم الأسمى، بل شعارهم الذى يسيرون وراءه لا يضلون عنه، فقد صاروا نفعيين أنانيين يهدمون المبادئ من أجل ذواتهم ويدوسون المصالح العامة في سبيل منافعهم الشخصية، فحملتهم أنانيتهم ونفعيتهم أن يسلكوا كل سبيل ملتو، وكل طريق منحرف للحصول على المال والمنافع ، فلم يتورعوا عن الكذب والخداع والغش والنفاق والتضليل‏"‏‏[‏ المرجع السابق، صـ 215‏]‏‏.‏

وهذه هي التوراة تتحدث عنهم فتقول‏:‏‏"‏ لأنهم -أي اليهود- من صغيرهم إلى كبيرهم كل واحد مولع بالربح ومن النبي إلى الكاهن ، كل واحد يعمل بالكذب‏.‏‏"‏ ‏[‏ سفر ارمياء ، اصحاح، ‏(‏13‏)‏‏]‏

ويقول الشيخ الإمام محمد أبو زهرة‏:‏‏"‏ لا نجد في اليهود إلا الرياء، وملق الأقوياء والنفاق، وأن يكون للقول ميدان وللعمل ميدان، ولقد أشاعوا النفاق في الأرض حتى توهم الناس أن من لم ينافق ليس بكيس، ومن لم يتملق لم يؤت الحكمة ، ومن لم يداهن فهو أحمق، ومن لم يماليء على الشر فهو داع إلى الفتنة، مثير للسوء، ومن يجهر بالحق فهو معاند مثير للشغب‏.‏‏.‏

إلى أن قال‏:‏ ولقد نشروا النفاق في الأرض كلها وبثوا له الدعاية بأسماء مختلفة ، فمرة بأنه الحكمة وأخرى بأنه الكيس، وثالثة بأنه السياسة الناجحة، حتى أشاعوا بين الناس أن السياسة والأخلاق لا يجتمعان، وذلك قول الزور، ولقد قرر الحكماء حقا وصدقا أن من يقول إن الأخلاق لا تجتمع مع السياسة لم يفهم الأخلاق ولاالسياسة، فالسياسة الفاضلة هي والأخلاق متلازمتان لا تنفصلان‏.‏‏"‏ ‏[‏ مجلة لواء الإسلام، عدد شعبان ، 1387هـ ، صـ 722‏]‏‏.‏

تراهم ينافقون الأقوياء والكبراء والحكام في سبيل أطماعهم والوصول إلى أغراضهم المادية الدنيئة، ويغدرون بالعهود، ويخونون الأمانات ويفجرون في الخصومة، وتلك أهم خصال النفاق تجمعت في اليهود وعلى رأسها خصلة الكذب، إنها شر صفة يتصف بها إنسان على الأرض فهو أساس النفاق والكفر والفساد‏.‏ وعلى هذه المبادئ أسسوا منظماتهم الدولية ، وأقاموا تنظيماتهم السياسية والاقتصادية‏.‏‏.‏ لقد اعوجت نفوس اليهود فأبت إلا أن تحول حياة البشر إلى جحيم ، وتسعى لكي تضع نفسها في القمة فوق بني آدم- ولو على جماجم البشر وأشلائهم- مستخدمة في ذلك كل الوسائل ولو كانت الحروب المدمرة للعالمين، فماذا فعلوا من جنايات تقضى، أو قضت على المجتمع الإنساني‏؟‏ وما أقاموا من منظمات‏؟‏فى بحثنا هذا جواب مختصر لأهم ما فعله اليهود مع المجتمع الإنساني بصفة عامة ومع المسيح والمسيحيين بصفة خاصة، والله الموفق‏.‏

 

المبحث الثاني‏:‏ تاريخ المنظمات اليهودية أو ‏"‏جذور الفكر اليهودي‏"‏

إذا درسنا التاريخ للعبرة والعظة وتعمقنا في أغواره، ورحنا ندرس تاريخ عدونا لنتعرف على مواضع قوته ومكامن ضعفه وعلى أساليبه وخططه، وعلى مؤامراته الكيدية ، فإن اليهود يكونون في الدرجة الأولى‏.‏وصدق الله العظيم القائل‏:‏ ‏{‏لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا‏}‏‏[‏جنايات بني إسرائيل، صـ 218، 219‏]‏‏.‏ يُستقى تاريخ اليهود من مصادرهم وما يتعلق ببداية تاريخهم، واليهود منذ أن وجدوا على مسرح التاريخ العالمي وهم يغلفون تاريخهم بالأسرار والألغاز، ويظهرون من أمور حياتهم غير ما يبطنون‏.‏فتاريخهم كله ليس إلا صراعا بينهم وبين إمبراطوريات عظيمة ، وأمم كبيرة كانوا يعيشون في كنفها بصفتهم قلة قليلة مستضعفة ذات نشاط أوسع من إمكاناتها، وأطماع أكبر من أن تحتملها تلك الإمبراطوريات والشعوب التي كانت تبتلى بها، فلجأوا لذلك إلى أسلوب الضعيف المستضعف المراود، أسلوب الكذب والغش والعمل في الخفاء ، وانسحب ذلك على تاريخهم كله ، فلايعرف العالم حتىاليوم ماذا يريده اليهود، بينما اليهود يعرفون بالضبط ماذا يريدون ‏؟‏ وماذا يراد منهم‏؟‏

فتاريخ اليهود إذاً تاريخ مبهم غامض لا يُعرف منه إلا ما يستنتجه الناس أو ما يقدمه اليهود لهم منه على أطباق من الزيف والتعالى والضلال والتضليل، حتى التوراة التي بأيديهم و هي المصدر الأساس لليهود احتوت على كثير من الخرافات والأساطير وعلى أمور خيالية تناقض الحقيقة والواقع، وملئت بالكذب والزيف والتضليل كطبيعة اليهود - أصحاب هذا الكتاب‏.‏

لقد حاول اليهود قديما - وما زالوا يحاولون حديثا- هدم الفوارق والحدود بين تسميتهم بالعبرانيين وبني إسرائيل والساميين والموسيين ليدخلوا في روع الناس أنهم جميعا من نسل أسباط يعقوب ‏(‏إسرائيل‏)‏ حتى يرجعوا بنسبهم إلى ‏"‏إبراهيم ‏"‏أبي الأنبياء والمرسلين ، فهم بذلك الأشرف جنسا، والآصل نسبا، والأصدق دينا، فهم الأصل وهم شعب الله المختار ، وما عداهم من الأمم والشعوب ليسوا إلا جداول وروافد تنبع منهم وتصب فيهم‏.‏

إنها عقدة النقص التي تحكمت في اليهود منذ أن وجدوا، فأورثتهم حب التعالي والفخر الزائف لدرجة أنهم مايزالون يزعمون بأن ‏(‏الغوييم‏)‏ أو ‏(‏ الجوييم‏)‏ أي ‏"‏ الأغيار ‏"‏ ما خلقوا علىهيئة البشر إلا ليخدموهم ويسبحوا بحمدهم ، وليعترفوا بأفضليتهم عليهم، ولايزالون يزعمون بأن كل ما في الأغيار من مال ومتاع إنما هو ملك خالص لهم ، يجب استرداده منهم بكل وسيلة ممكنة ، أخلاقية كانت أو غير أخلاقية‏.‏

وليس من تعليل لهذه الترهات، سوى أن اليهود كانو يشعرون دوما بشعور الطفولة ، لأنهم كانوا على امتداد تاريخهم الطويل ضعفاء مستضعفين ، لا وزن لهم في نظر من كانوا ينـزلون في كنفهم ويـحـتمـون بحـرا بهـم ‏.‏

فعوضوا ذلك بفخر زائف، ولذلك كرههم الناس ونبذوهم ، ولهذا طاردهم التاريخ منذ أن حاولوا تسلقه ، وعزلهم حقدهم، وإجرامهم منذ أن حلوا بين الناس لدرجة أن قال فيهم ‏"‏ جوستاف لوبون‏"‏‏:‏ ‏"‏كان بنو إسرائيل أخلاطا من شعوب جامحة تشكل مجموعة بدوية غير متجانسة من قبائل سامية صغيرة تقوم حياتها على الغزو ونهب القرى الصغيرة حتى تقضى عيشا رغيدا لبضعة أيام ثم تعود إلى حياة التيه والبؤس‏"‏‏.‏‏[‏ اليهود في تاريخ الحضارات الأولى لغوستاف لوبون، نقلا عن ‏:‏ خطر اليهودية العالمية‏(‏ عبد الله التل‏)‏ صـ 22‏]‏‏.‏

وكانوا يضطهدون ويعذبون وينفون بسبب تعاليمهم وحقدهم وإجرامهم ، وما يحدث الآن في إسرائيل خير مثال علىذلك ‏.‏

هذا‏.‏‏.‏ولا نشذ ولانشطح إذا رحنا نؤكد بأن المنظمات اليهودية قديمة بقدم البشر، فهي أقدم من اليهود أنفسهم بعشرات القرون، وكيف ذلك‏؟‏

إن تاريخ المنظمات اليهودية يرجع - في الأصل- إلى ‏"‏سام بن نوح‏"‏ والذي أخذت منه اسم ‏"‏ السامية‏"‏ التي يطنطن بها اليهود في هذه الأيام، والتي تلقفتها المنظمات اليهودية وأسقطت عليها ما شاءت لتحقيق مصالحها ومخططاتها ، وحقدها أيضا، ونسجت حولها الخرافات والأضاليل التي حورتها وطورتها بشكل بدا مقبولا للجهلاء والسذج والبسطاء‏.‏

وتكمن البداية في تلك القصة التي ذكرتها التوراة المحرفة ، إنها قصة ‏"‏ سام وحام ، ويافث ، وأرفكشاذ‏"‏ تلك التي أراد بها اليهود قديما، والصهاينة حديثا، تحقيق سيادتهم على العالم، حيث نسج مؤلفو التوراة قصة طويلة ملفقة، مؤداها أن ‏"‏حاما‏"‏ وهو أبو كنعان، جد الكنعانيين ـ كما تزعم التوراة- أنه رأى أباه في خيمته سكران يرقص عاريا، فأخبر إخوته بذلك، فاستطاع ‏"‏سام‏"‏ -جد بني إسرائيل- كما تزعم التوارة أيضا- بلباقته وذكائه، أن يغطي غباوة أخيه، وسوأة أبيه، ولهذا فإن ‏"‏نوحا‏"‏ حين أفاق من سكرته وعلم بالأمر، دعا على ‏"‏حام‏"‏ بأن يصبح عبد العبيد لإخوته، وأن تصبح ذريته من بعده عبيدا لذراريهم‏.‏ ‏[‏ العهد القديم، سفر التكوين، إصحاح 9 ‏(‏20-27‏)‏ بتصرف‏]‏‏.‏وبناء على ذلك فأبناء ‏"‏حام‏"‏ -أي الكنعانيون العرب- أنذال، أغبياء، ملعونون، وأبناء ‏"‏سام‏"‏ -أي بنو إسرائيل- كرماء، أذكياء، بعيدون عن اللعنة‏.‏

وما جنس الكنعانيين الملعون -بحسب ما جاء في سفر أشعياء ، والقضاة- إلا ذلك الجنس الذي كنا نتطلع إليه عبر القرون من بلاد اليونان باعتباره أب الكتابة والتجارة والحضارة‏.‏

وهذا- كما ترى- دس رخيص ، ومزاعم تتناقض مع الحقيقة والواقع‏.‏ ولقد تلقف الصهاينة والمخادعون والمخدوعون هذه النظرية فنادوا بما نادي به آباؤهم وأجدادهم في توراتهم من قبلهـم ، فزعموا بأن فلسطين ملك إلهي خالص لهم ، وأن عرب فلسطين- أبناء الكنعانيين- عبيـد خلـص لسيادتهم ، ‏"‏ فحام‏"‏ -أبوكنعان- ملعون، والله قد وعد أباهم ‏"‏إبراهيم‏"‏- كما وعد إسحاق ويعقوب ومن جاء بعدهم من الأنبياء بأن الأرض والمال لأبناء ‏"‏سام‏"‏ الشرفاء الأخيار، وليس لأبناء ‏"‏حام‏"‏ الأنذال الأشرار إلا الخزي والعار‏!‏‏!‏

ومن المفارقات الغريبة أن هؤلاء حين يعدون الشعوب السامية يضعون العرب والكنعانيين على رأسها- وهو كذلك- مع أن التوراة تذكر بأنهم ‏"‏أولاد كنعان بن حام‏"‏ وليسوا ‏"‏بأولاد سام، ‏"‏فهل الكنعانيون من نسل ‏"‏سام‏"‏ أم من نسل ‏"‏حام أبوكنعان‏"‏‏؟‏‏!‏‏!‏ والسامية ، واللاسامية دعوة حديثة اختلقها اليهود في بلاد الغرب- في أورباوأمريكا بوجه خاص - ليستروا بها عوراتهم وسخائمهم ، وليحصلوا بها على امتيازات خاصة،وكذلك ليتخلصوا بها من أعدائهم ومنافسيهم بزعم أن العداء الذي يظهره الأغيار لليهود ليس بسبب جرائم اليهود وحقارتهم ، ولكن بسبب نقاء جنسهم واتساع مداركهم، وتفردهم بامتلاك الثروة والمال‏.‏ّ‏!‏‏!‏

والغريب أن الذي افترى فرية‏"‏اللاسامية‏"‏ هذه، هم يهود من شرق أوربا لا يمتون للعبرانيين ولا لبني إسرائيل بصلة، لأنهم من أصول مغولية تترية خزرية، فهم ليسوا من نسل‏"‏سام‏"‏ المزعوم، فيزعمون وجود السامية فهي تعود عليهم‏.‏‏!‏ فلم إذاً اخترع اليهود فرية‏"‏اللاسامية‏"‏لغيرهم‏؟‏

لقد اخترعوها لأسباب كثيرة من نسج خيالهم، وكما قال‏"‏هرتزل‏"‏‏:‏‏(‏ لو لم تكن ‏"‏اللاسامية‏"‏ موجودة لوجب علينا إيجادها‏)‏ وهرتزل هذا يعرف تماما أبعاد قوله هذا‏.‏

إن اليهود قد اضطهدوا وعذبوا ولوحقوا ، لأنهم لم يستطيعوا طيلة تاريخهم الطويل أن يتهجوا كلمات التعايش الإنساني الكريم ، ولم يستطيعوا أن يهضموا حتى الآن كلمتى الحق والعدل‏.‏ ومن ثم استخدموا كلمة‏"‏السامية‏"‏ ‏(‏صابونا‏)‏ يغسلون به عرق أبدانهم النتنةالتي لاحقتهم مع جرائمهم البشعة ومع هذا فإنهم يطلقون كلمة ‏"‏السامية‏"‏ على كل اليهود، مع أن أكثر من تسعين في المائة منهم لا ينتمون لأصول سامية‏.‏

ومن هنا فقد أصبحت المعركة شرسة بين الكيان الصهيوني المصطنع الذي يدعي السامية وغيره، ومن هنا فإن إسرائيل تتبجح اليوم بأنها منارة الشرق، المؤهلة لإحيائه وبعثه، وموئل ‏"‏ الديمقراطية‏"‏ في منطقة لم تسمع بها‏.‏ فإسرائيل هذه بنت الصهيونية الحاقدة أحيت- وما زال تحيى- كل يوم في منطقتنا العربية النازية العنصرية المتغطرسة ، والتميز العنصري المتعالي، فهل حقا ما تزعم إسرائيل، وما يدعيه اليهود‏؟‏‏!‏‏!‏‏!‏‏[‏ جذور الفكر اليهودي، تأليف/ داؤد عبد العفو سنقرط، سلسلة أبناء يهوذا في الخفاء‏(‏1‏)‏ صـ 11-53 ، باختصار ، ط/ دار الفرقان ، ‏"‏الثانية‏"‏سنة‏:‏ 1408 هـ/ 1987م‏]‏‏.‏